قصور الصمام الأبهري هو تسرب الدم النظيف عائدًا إلى البطين الأيسر للقلب بدلًا من ضخه إلى الجسم، بسبب الإغلاق المعيب للصمام الأبهري. تتميز هذه المشكلة البنيوية بأعراض مثل ضيق النفس الذي يظهر خاصة أثناء الحركة، وسرعة التعب، والخفقان. تُصنف الحالة بحسب قياسات تخطيط صدى القلب إلى درجات خفيفة ومتوسطة ومتقدمة. أما علاجها فيتغير وفق مستوى المرض، ويشمل إجراءات فعالة تمتد من المتابعة الدوائية إلى طريقة TAVI دون خياطة أو استبدال الصمام جراحيًا. ومن أجل منع إجهاد عضلة القلب، فإن إصلاح هذا التسرب الميكانيكي في الوقت المناسب يحمل أهمية حيوية.
ما هو قصور الصمام الأبهري وما نوع المشكلة التي يسببها في قلبنا؟
عندما ينقبض البطين الأيسر، وهو الحجرة السفلية اليسرى من القلب، يدفع الدم النظيف الموجود بداخله بقوة كبيرة إلى الشريان الأبهري. وفي لحظة الدفع هذه تنفتح وريقات الصمام الأبهري بالكامل لتسمح للدم بالمرور بسهولة. وفي مرحلة الراحة اللحظية التي تستغرق أقل من ثانية، عندما ينهي القلب انقباضه ويبدأ بالارتخاء ليمتلئ بدم جديد، يجب أن يُغلق الصمام الأبهري فجأة وبإحكام شديد. وبهذا لا يستطيع الدم الذي دُفع إلى الوعاء أن يعود إلى داخل القلب بتأثير الجاذبية أو ضغط داخل الوعاء، ويُجبر على مواصلة طريقه نحو الجسم.
في قصور الصمام الأبهري، لا يتحقق إغلاق كامل لأن بنية الوريقات المكونة للصمام قد تضررت أو فقدت مرونتها أو ابتعدت عن بعضها. تبقى بين الوريقات فجوة أو مسافة تسرب. وفي اللحظة التي يرتخي فيها القلب، يبدأ جزء كبير من الدم الذي أُرسل إلى الجسم بالانسكاب عبر هذه الفجوة إلى الخلف، أي نحو داخل القلب. وهذا الوضع يضع البطين الأيسر للقلب وسط مشكلة ميكانيكية يصعب الخروج منها. فمن جهة يستقبل البطين الدم النظيف الجديد القادم من الرئتين، ومن جهة أخرى يضطر إلى قبول الدم القديم المتسرب عائدًا من الشريان الأبهري. يرتفع حجم الدم المتراكم في الداخل إلى ما يفوق الطبيعي بكثير. وفي الانقباض التالي، يضطر القلب إلى بذل قوة أكبر بكثير من السابق والانقباض بقوة أشد لكي يدفع في الوقت نفسه الدم الذي يجب عليه ضخه طبيعيًا والدم الزائد الذي عاد بالتسرب. هذا العمل الإضافي الذي لا ينتهي يمهد مع الوقت لاضطرابات خلوية تؤثر بعمق في بنية عضلة القلب وشكلها وقدرتها على العمل.
هل يتطور قصور الصمام الأبهري فجأة أم يتقدم بشكل خفي خلال سنوات؟
تُظهر طريقة تطور هذه المشكلة البنيوية والضرر الذي تُلحقه بالقلب اختلافات دراماتيكية جدًا بحسب السبب الكامن. يظهر المرض غالبًا كعملية مزمنة شديدة الخفاء وبطيئة التقدم تستمر سنوات، بل وحتى عقودًا. وفي هذه العملية البطيئة، يُفعّل القلب آلية تكيف ذكية جدًا كي يستطيع حمل عبء السوائل المتزايد الذي يتعرض له. فهو يوسع حجمه الداخلي ليستوعب حجم الدم المتزايد، ويُثخن جدرانه العضلية للحفاظ على قوة الدفع. وكما تكبر عضلات الرياضي الذي يرفع الأثقال بانتظام مع الوقت، يكبر القلب أيضًا أمام عبء العمل المتزايد. تسمح عملية النمو هذه للمريض بأن يعيش حياة نشطة جدًا لسنوات طويلة دون أن يشعر بأي علامة مرضية. لكن قدرة عضلة القلب على التمدد والتثخن ليست بلا حدود. وعندما يتم تجاوز عتبة معينة، يزداد النسيج الضام بين خلايا عضلة القلب، وتُفقد المرونة، وتبدأ قوة الانقباض بالضعف بشكل دائم.
ومن ناحية أخرى، في بعض الحالات غير المحظوظة، قد تتدهور بنية الصمام فجأة خلال ساعات أو أيام. وخاصة الالتهابات البكتيرية الشديدة التي تهاجم الصمام مباشرة أو التمزقات المفاجئة التي تحدث في الشريان الأبهري قد تجعل الصمام عاجزًا عن العمل في لحظة واحدة. لا يجد القلب الوقت الذي يحتاجه للاستعداد لهذا الفيضان المفاجئ والضخم من السوائل أو للتمدد أو لتقوية عضلاته. ومع دخول كمية دم تفوق طاقته بكثير بشكل مفاجئ، يرتفع الضغط داخل القلب بسرعة. ينعكس هذا الضغط المرتفع إلى الخلف ويضرب الرئتين. تمتلئ الحويصلات الهوائية في الرئتين بسرعة بالسوائل، مما يجعل تنفس المريض مستحيلًا. ومع الانخفاض المفاجئ في كمية الدم التي تُضخ إلى الجسم، ينهار ضغط الدم ويتعطل تغذي جميع الأعضاء.
ما الأسباب الأساسية وعوامل الخطر التي تؤدي إلى قصور الصمام الأبهري؟
إن فهم العوامل التي تُعطل آلية إغلاق الصمام يحمل أهمية حيوية من حيث الوقاية من المرض وعلاجه. قد تنشأ هذه المشكلة أحيانًا من أمراض تؤثر مباشرة في نسيج الصمام نفسه، وأحيانًا من تشوه الإطار الذي يستقر عليه الصمام مع مرور الوقت.
أكثر الأسباب شيوعًا التي تؤدي إلى تدهور الصمام هي:
- الصمام الأبهري ثنائي الشرفات
- مرض القلب الروماتيزمي
- التهاب الشغاف الإنتاني
- توسع الشريان الأبهري
- تمدد الأوعية الأبهري
- ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه
- متلازمة مارفان
- التكلس المرتبط بالتقدم في العمر
يُعد الاختلاف البنيوي الخلقي الشائع جدًا في المجتمع من أكثر مصادر المشكلة انتشارًا. في الظروف الطبيعية، يتكون الصمام الأبهري من ثلاث وريقات رقيقة تنغلق على بعضها بشكل مثالي. لكن لدى بعض الأشخاص يتشكل هذا الصمام بورقتين أثناء نموه في رحم الأم. وحتى لو عمل طبيعيًا في البداية، فإن هذه البنية ثنائية الوريقات تكون أكثر هشاشة أمام ديناميكية تدفق الدم. ومع تعرض الصمام لإجهاد غير متوازن في كل نبضة قلب على مدار سنوات، يبدأ مع الوقت بالتثخن والتكلس، كما يبدأ بالتدلي من أطرافه والتسريب.
كما أن الأمراض الحموية التي تسببها التهابات الحلق في الطفولة إذا لم تُعالج قد تُحمّل القلب ثمنها في الأعمار المتقدمة. فالأجسام المضادة التي ينتجها الجسم لمحاربة العدوى تهاجم صمامات القلب عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى تثخن الوريقات وانكماشها والتحامها ببعضها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التصاق البكتيريا الداخلة إلى الدورة الدموية مباشرة بصمام القلب وتكاثرها هناك وتخريبها للنسيج قد يؤدي أيضًا إلى تسربات خطيرة.
وأحيانًا، حتى لو كانت وريقات الصمام سليمة تمامًا، يمرض الجزء الجذري من الشريان الأبهري الذي يستقر الصمام بداخله. إن ارتفاع ضغط الدم غير المعالج لسنوات يطبق ضغطًا مستمرًا على جدران الوعاء، مما يوسع قطر الوعاء ببطء. ومع توسع الوعاء، تبتعد وريقات الصمام المثبتة عليه عن بعضها. وبما أن الوريقات لا تستطيع الالتقاء طرفًا بطرف، تبقى فتحة واسعة في الوسط ويتسرب الدم منها إلى الخلف.
ما الأعراض التي يشعر بها الشخص المصاب بقصور الصمام الأبهري في قلبه خلال الحياة اليومية؟
في الفترة الصامتة والخفية التي تمتد لسنوات، يشعر المرضى عادة بأنهم أصحاء تمامًا. يمكنهم ممارسة الرياضة، والعمل في أعمال شاقة، ومواصلة حياتهم اليومية دون أي قيود. قدرة القلب على التكيف ناجحة إلى درجة أنه لا يعكس التآكل الداخلي إلى الخارج. لكن عندما يتم تجاوز العتبة الحرجة التي تبدأ فيها عضلة القلب بالتعب والاستسلام، تبدأ أجراس الإنذار في الجسم بالقرع. تظهر الشكاوى عادةً ليس أثناء الراحة، بل في لحظات الجهد التي يضطر فيها القلب إلى ضخ كمية أكبر من الدم.
أكثر الشكاوى التي يعاني منها المرضى في المرحلة التي تظهر فيها الأعراض السريرية للمرض هي:
- ضيق النفس
- سرعة التعب
- الخفقان
- ألم الصدر
- الدوخة
- تورم الكاحلين
- الإحساس بالنبض في الرقبة
يبدأ المرضى بالشعور بالحاجة إلى التوقف والاستراحة كثيرًا في المرتفعات أو السلالم التي كانوا يصعدونها بسهولة في السابق. كما أن الإحساس بضغط وكأن هناك حملًا ثقيلًا فوق الصدر يؤدي إلى انخفاض القدرة على بذل الجهد تدريجيًا خلال أشهر. والاستيقاظ فجأة ليلًا مع الإحساس بعدم القدرة على التنفس والاختناق أثناء الاستلقاء بشكل مستوٍ هو علامة مهمة جدًا على أن القلب بدأ يسبب تراكم السوائل في الرئتين باتجاه الخلف.
إلى جانب ذلك، لأن كمية الدم التي يدفعها القلب في كل انقباض هي مجموع الدم المتقدم إلى الأمام والدم المتسرب إلى الخلف، تكون موجة النبض المتشكلة في الأوعية قوية جدًا. قد يشعر المرضى بضربات قلوبهم خصوصًا في البيئات الهادئة وأثناء الاستلقاء على شكل ضربات قوية في الرقبة أو الأذنين وحتى البطن. وعندما ينخفض ضغط الدم السفلي كثيرًا ويقل تدفق الدم إلى الشرايين الخاصة التي تغذي القلب، قد يشعر الشخص أثناء بذل الجهد بألم ضاغط أو حارق في صدره.
ما الطرق التي يتم بها التشخيص المؤكد للمرض عند الاشتباه بقصور الصمام الأبهري؟
حتى الفحص الجسدي البسيط قد يقدم أدلة قوية جدًا عن المرض. عند الاستماع إلى الصدر بالسماعة الطبية، يمكن بسهولة ملاحظة ذلك الصوت النموذجي الشبيه بالنفخ الذي يصدره الدم أثناء رجوعه. كما أن اتساع الفرق بين ضغط الدم الانقباضي والانبساطي في القياس بجهاز الضغط يُعد أيضًا مؤشرًا على عدم التوازن الديناميكي الدموي الناتج عن هذا التسرب. لكن من أجل وضع التشخيص المؤكد، وتحديد درجة المرض، وقياس حجم الضرر الذي ألحقه بالقلب، هناك حاجة إلى تقنيات تصوير متقدمة.
في هذه النقطة، يُعد تخطيط صدى القلب الأداة التشخيصية الأساسية والأكثر قيمة. هذه الطريقة التي تستخدم الموجات الصوتية لعرض البنية الداخلية للقلب وحجراته وحركات الصمامات مباشرة على الشاشة هي إجراء غير مزعج للمريض، وخالٍ تمامًا من الألم والإشعاع. وبفضل تقنيات التخطيط اللوني المتقدمة، يتم حساب سماكة وطول نفثة الدم المرتدة من الفتحة التي لا يُغلق فيها الصمام تمامًا، وحجم الدم المتسرب إلى الخلف في كل نبضة قلب بالميليلتر بدقة عالية جدًا. أحيانًا، عند الحاجة إلى صور أكثر تفصيلًا، يمكن فحص القلب بوضوح أكبر بكثير من الخلف بواسطة كاميرا في طرف أنبوب رفيع يُنزل عبر المريء تمامًا مثل التنظير. وفي الحالات التي تُعد ضرورية، تساعد رنينات القلب أو الصور المقطعية أيضًا على رسم خريطة قطر الشريان الأبهري وبنية الصمام بدقة ميليمترية.
ما قياسات القلب التي تؤخذ في الاعتبار عند تحديد توقيت علاج قصور الصمام الأبهري؟
عندما تصل درجة المرض إلى مستوى متقدم ويبدأ المريض بالشعور بشكاوى مثل ضيق النفس والتعب، يكون قرار العلاج واضحًا للغاية. لأنه أصبح من الضروري الآن استبدال الصمام أو إصلاحه؛ ولا يمكن لأي علاج دوائي أن يعيد صمامًا ممزقًا أو متمددًا إلى حالته السابقة. فالأدوية تخفف المريض مؤقتًا فقط من خلال تقليل تراكم السوائل أو موازنة ضغط الدم، لكنها لا تحل المشكلة الميكانيكية الكامنة. القرار الحرج الحقيقي يُتخذ لدى المرضى الذين لا يعانون بعد من أي شكوى ولكن لديهم تسرب شديد. فالتدخل المبكر جدًا على الصمام عند هؤلاء المرضى يعني الدخول في خطر إجراء غير ضروري، بينما التأخر الشديد قد يؤدي إلى تلف عضلة القلب بشكل غير قابل للعكس.
ومن أجل إقامة هذا التوازن الحساس وتحديد وقت التدخل الصحيح، تتم مراقبة بعض الحدود الحرجة في المتابعة التي تُجرى بتخطيط صدى القلب.
معايير القياس الحرجة التي تتم مراقبتها عن قرب هي:
- الكسر القذفي
- القطر في نهاية الانقباض
- القطر في نهاية الانبساط
- حجم القلس
- عرض الفينا كونتراكتا
عندما يتجاوز قطر القلب أثناء الانقباض عددًا معينًا من المليمترات، فهذا يدل على أن عضلة القلب قد تمددت أكثر من اللازم وبدأت تفقد قدرتها على التعافي. وبالمثل، عندما تبدأ نسبة دفع الدم الموجود داخل القلب إلى الجسم، أي الكسر القذفي، بالنزول تحت الحدود الطبيعية، تدق أجراس الإنذار. وفي حال تجاوز هذه الحدود الحرجة، حتى لو كان المريض يشعر بأنه جيد جدًا، يصبح التدخل على الصمام ضروريًا لمنع قصور القلب الدائم الذي قد يتطور لاحقًا.
ما طرق العلاج غير الجراحية التي تبرز اليوم في علاج قصور الصمام الأبهري خارج جراحة القلب المفتوح التقليدية؟
حتى وقت قريب، كانت جراحة القلب المفتوح الكلاسيكية هي الطريق الوحيد والأكثر حسمًا لحل التدهورات البنيوية الخطيرة في الصمام الأبهري. تتضمن هذه الطريقة الجذرية قطع القفص الصدري من المنتصف وفتحه، وإيقاف القلب تمامًا، ونقل دوران الدم في الجسم خلال فترة الإجراء إلى جهاز قلب-رئة صناعي، ثم قطع الصمام المتضرر بالمشرط وإزالته وخياطة صمام جديد بيولوجي أو معدني مكانه. لا شك أن هذه الطريقة موثوقة جدًا ودائمة وهي معيار طبّي طُبق بنجاح لسنوات طويلة. لكن فترات العناية المركزة الطويلة بعد العملية، والقيود التي تستمر أشهرًا حتى يلتئم عظم الصدر، والمخاطر الناتجة عن طبيعة العملية، دفعت كلًا من المرضى والأطباء إلى البحث عن طرق أقل إنهاكًا.
اليوم، بفضل النقطة المذهلة التي وصلت إليها تكنولوجيا الطب، فتح إجراء TAVI الذي تقدمه أمراض القلب التداخلية، أي استبدال الصمام بطريقة القسطرة، صفحة جديدة تمامًا في علاج أمراض الصمامات. هذه الطريقة التي طُورت في البداية فقط للمرضى المتقدمين في العمر أو الذين يُعتبرون عاليي الخطورة لدرجة أنهم لا يستطيعون تحمل الجراحة المفتوحة، أصبحت مع إثبات نجاحها تُطبق الآن بنجاح على مجموعة أوسع من المرضى. في هذه الطريقة لا يُفتح القفص الصدري للمريض إطلاقًا، ولا يُوقف القلب، وغالبًا لا توجد حاجة حتى إلى تنويم المريض بالكامل، أي التخدير العام.
كيف يُطبق إجراء TAVI عبر الدخول من الفخذ خطوة بخطوة على مرضى قصور الصمام الأبهري؟
يُؤخذ المريض إلى مختبر القسطرة المصمم خصيصًا لهذا الإجراء والمجهز بأجهزة تصوير متقدمة. يتم تخدير منطقة الفخذ فقط بالتخدير الموضعي، ويُعطى المريض تهدئة خفيفة لكي يرتاح أثناء الإجراء. يتم الدخول إلى الشريان الرئيسي في منطقة الفخذ عبر ثقب إبرة صغير، وتوضع أسلاك إرشادية رفيعة ومرنة داخل الوعاء.
يتم اختيار الصمام القلبي البيولوجي مسبقًا بما يناسب تشريح أوعية المريض وقلبه، ثم يُطوى ويُضغط بإحكام في بيئة مختبرية خاصة مثل المظلة، ويُحبس داخل غلاف حامل. يُدخل هذا الغلاف من الثقب الموجود في الفخذ إلى داخل الوعاء، ثم يُقدم ببطء نحو القلب عبر الطريق الوعائي الرئيسي في الجسم. وبفضل صور الأشعة السينية عالية الدقة على الشاشة، تتم متابعة كل حركة ميليمترية للصمام من الخارج بشكل فوري. يتم وضع الصمام الجديد تمامًا داخل الصمام القديم المتسرب في القلب، مع ضبط محاذاته بدقة ميليمترية.
لحظة فتح الصمام هي أكثر ثواني الإجراء حرجًا. وحتى لا يجرف تدفق الدم الصمام الجديد أثناء فتحه أو يخرجه من مكانه، تُرسل إلى القلب تنبيهات سريعة جدًا بمساعدة ناظمة مؤقتة. يتم رفع معدل ضربات القلب لحظيًا إلى حوالي مئتين في الدقيقة، وبذلك يرتجف القلب في حالة انقباض، لكنه لا يمتلئ بالدم ولا يستطيع دفعه، فيتوقف تدفق الدم لعدة ثوانٍ تقريبًا. في هذه الثواني الخالية من العاصفة، يُسحب الغلاف الحامل إلى الخلف أو يُنفخ البالون الموجود بداخله. ينفتح الصمام الجديد المضغوط خلال ثوانٍ بقوة ليأخذ شكله الأصلي، ويتمسك بقوة بجدران الصمام القديم. وبمجرد عودة نبض القلب إلى طبيعته، يبدأ الصمام الجديد بالإغلاق والفتح بشكل مثالي ويوقف التسرب فورًا. وفي نهاية الإجراء يُغلق ثقب الدخول الصغير في الفخذ بخياطته من الداخل بواسطة أنظمة خاصة.
هل يمكن إجراء TAVI أيضًا في حالات قصور الصمام الأبهري الصافي دون تكلس في الصمام أو لدى المرضى الذين خضعوا سابقًا لجراحة مفتوحة؟
كانت تقنية TAVI في سنواتها الأولى تحتاج إلى أنسجة صلبة ومتكلسة في جدران الوعاء حتى يتمكن الصمام من التثبت بإحكام. وبما أن التكلس يكون موجودًا بكثرة لدى مرضى تضيق الصمام الأبهري، كان الصمام الاصطناعي يثبت على هذا التكلس ويبقى ثابتًا. لكن في حالات القصور الأبهري الصافي التي لا يوجد فيها تكلس وتكون الوريقات فقط قد تمددت وتدلت وبدأت بالتسريب، كان خطر انزلاق الصمام من مكانه مرتفعًا جدًا لأنه لا يوجد بروز يثبت عليه الصمام الجديد. ولهذا بقي مرضى القصور الصافي محرومين من هذه التقنية لفترة طويلة. لكن تصاميم الصمامات الحديثة من الجيل الجديد، وهي معجزات هندسية، نجحت اليوم في حل هذه المشكلة أيضًا. فهذه الأنظمة الجديدة التي تحتوي على آليات مشبكية خاصة تمسك وريقات المريض المرتخية مثل مشبك الورق وتُقفل الصمام الاصطناعي في القلب. وبذلك يستقر الصمام في مكانه بأمان دون انزلاق حتى لو لم يكن هناك تكلس.
إلى جانب ذلك، تقدم التكنولوجيا أيضًا معجزة كبيرة للمرضى الذين خضعوا في الماضي لجراحة قلب مفتوح وزُرع لهم صمام بيولوجي، لكنه تآكل بعد مرور السنوات وبدأ بالتسريب مرة أخرى. في السابق كان هؤلاء المرضى يحتاجون إلى عملية قلب مفتوح ثانية أكثر خطورة بكثير لتغيير الصمام المتآكل. أما الآن، فمن خلال طريقة تُسمى صمام داخل صمام، يمكن وضع صمام TAVI جديد عبر الفخذ في مركز الصمام القديم تمامًا دون محاولة إخراج الصمام القديم إطلاقًا. يعمل الصمام القديم كعش مثالي للصمام الجديد.
ما الذي يجب على المرضى الانتباه إليه في حياتهم اليومية خلال فترة التعافي بعد التدخل لعلاج قصور الصمام الأبهري؟
أكبر راحة توفرها الطرق التداخلية هي فترة التعافي السريعة وغير المؤلمة بعد الإجراء. بعد إجراء TAVI عبر الفخذ ببضع ساعات فقط، يمكن للمرضى الجلوس في أسرتهم وتناول الطعام، وفي اليوم التالي يمكنهم المشي في الممر. وعندما يسير كل شيء على ما يرام، يُخرجون عادة خلال يومين أو ثلاثة إلى منازلهم وإلى أسرّتهم المعتادة. وبما أن القفص الصدري لا يُقطع، لا يحدث ألم ما بعد الجراحة ولا خطر عدوى ولا قيود حركة طويلة الأمد. يستطيع المرضى خلال فترة قصيرة جدًا العودة إلى قيادة السيارة وأعمالهم اليومية وحياتهم الاجتماعية. لكن هذا التعافي السريع لا يعني أن يترك المرضى أنفسهم دون أي ضوابط.
القواعد الأساسية التي يجب الانتباه إليها خلال فترة التعافي هي:
- عدم إهمال الأدوية
- عدم إجهاد الفخذ
- عدم رفع أوزان ثقيلة
- الالتزام بمراجعات الطبيب
- إبلاغ طبيب الأسنان
من المهم جدًا الالتزام حرفيًا بمواعيد الأدوية المميعة للدم أو المنظمة لضغط الدم التي وصفها الطبيب لدعم عمل الصمام الجديد بشكل صحي. من أجل شفاء منطقة الفخذ التي تم إجراء العملية منها، يجب في الأسابيع الأولى تجنب الحركات القاسية التي تشد تلك المنطقة بشدة وتجنب حمل الأوزان الثقيلة. وربما من أكثر الموضوعات التي يجب الانتباه إليها خطر العدوى. صحة الفم والأسنان مرتبطة مباشرة بالقلب. قبل أي خلع سن أو علاج عصب أو إجراء جراحي مسبب للنزف، من المهم حيويًا أن يخبر المريض الطبيب المعني بأنه خضع لعملية صمام قلبي وأن يستخدم مضادًا حيويًا وقائيًا قبل الإجراء لمنع استقرار البكتيريا على الصمام.
ما الأطعمة التي يجب على مرضى قصور الصمام الأبهري الابتعاد عنها لحماية قلوبهم؟
في هذه الحالة المرضية التي يكافح فيها القلب أصلًا حجم دم وضغطًا متزايدين، فإن عادات التغذية لدى المريض إما أن تخفف عبء القلب أو تجعل عمله أصعب بإرهاقه أكثر. من الضروري إجراء تغييرات دائمة في النظام الغذائي من أجل حماية بنية الأوعية الدموية، ومنع خروج كمية السوائل داخل الأوعية عن السيطرة، والوقاية من نوبات ارتفاع ضغط الدم. ويجب الابتعاد تمامًا خاصة عن الأطعمة التي تسبب احتباس السوائل في الجسم وتصلب الشرايين.
بعض الأطعمة التي يجب الابتعاد عنها أو الحد من استهلاكها هي:
- ملح الطعام
- المخللات الجاهزة
- النقانق المصنعة
- المارغرين
- دهن الذيل
- المقليات
- المشروبات السكرية
- مشروبات الطاقة
الملح الذي يأتي في أول هذه القائمة هو أكبر عدو خفي لمرضى قصور الأبهر. الصوديوم الذي يتم تناوله بكميات كبيرة يسبب احتفاظ الجسم بالماء وارتفاع حجم الدم بشكل اصطناعي. والقلب المتورم والمتعب أصلًا بسبب الدم المتسرب إلى الخلف يضطر إلى بذل جهد أكبر والعمل ضد ضغط أعلى حتى يضخ هذا العبء الإضافي من الماء المتزايد داخل الأوعية. وبنفس الطريقة، تؤدي الدهون المشبعة ومنتجات اللحوم المصنعة والاستهلاك المفرط للسكر إلى تصلب جدران الأوعية وارتفاع ضغط الدم وانسداد شرايين القلب على المدى الطويل، مما يفاقم بشكل خطير ملف المخاطر القلبية الوعائية العام للمريض.
لماذا أصبحت العلاجات التداخلية في الطب الحديث خيارًا أوليًا الآن لقصور الصمام الأبهري؟
لقد غيرت الثورات التكنولوجية التي حدثت في مجال أمراض القلب خلال السنوات العشر الأخيرة فلسفة التعامل مع أمراض القلب من جذورها. هدفنا ليس فقط إبقاء المريض على قيد الحياة، بل أيضًا أن نقدم له أعلى جودة حياة بأقل خطر مضاعفات وبأسرع طريقة. هذه الخيارات التي تقدمها الطرق التداخلية دون شقوق ودون قيود وبصدمة أقل بكثير تمنح المرضى أيضًا ثقة وراحة كبيرة نفسيًا.
اليوم، عند تخطيط علاج المريض، لم يعد القرار قرار طبيب واحد فقط، بل أصبح العقل المشترك لفرق القلب التي يجلس فيها أطباء القلب التداخليون وجراحو القلب واختصاصيو التصوير وأطباء التخدير على الطاولة نفسها. يتم تحليل بنية أوعية كل مريض ووظائف قلبه وحالته الصحية العامة واحدة تلو الأخرى. وبالنظر إلى معدلات النجاح السريري المذهلة وسرعات التعافي المحققة، فإن إصلاحات الصمامات المبتكرة التي تُجرى عبر الدخول من الفخذ قد تجاوزت بكثير كونها ضرورة أو بديلًا.

البروفيسورة الدكتورة قدرية أورتا كيليتشكسمز تُعد من أبرز الأسماء في مجال أمراض القلب في تركيا. وُلدت في 24 يناير 1974 في تكيرداغ. بعد إكمال تعليمها الجامعي في كلية الطب جراح باشا بجامعة إسطنبول، اختارت تخصص أمراض القلب وأكملت تدريبها التخصصي في معهد أمراض القلب بالجامعة نفسها. وفي عام 2015، كُلِّفت من قبل الجامعة بتأسيس عيادة أمراض القلب ومختبر القسطرة في مستشفى شيشلي إتفال. وفي عام 2017 حصلت على لقب أستاذة، وفي عام 2020 قامت بتأسيس عيادة أمراض القلب ومختبر القسطرة في مستشفى البروفيسور الدكتور جميل تاشجي، كما ساهمت في تحويل العيادة إلى عيادة تعليمية.
